ابن رشد
360
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
وزيد بن خالد من قوله عليه الصلاة والسلام : اغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها ولم يذكر عددا . وعمدة الكوفيين : ما ورد من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام : أنه رد ماعزا حتى أقر أربع مرات ثم أمر برجمه وفي غيره من الأحاديث قالوا : وما ورد في بعض الروايات أنه أقر مرة ومرتين وثلاثا تقصير ، ومن قصر فليس بحجة على من حفظ . وأما المسألة الثانية : وهي من اعترف بالزنا ثم رجع ، فقال جمهور العلماء : يقبل رجوعه ، إلا ابن أبي ليلى وعثمان البتي ، وفصل مالك فقال : إن رجع إلى شبهة قبل رجوعه . وأما إن رجع إلى غير شبهة فعنه في ذلك روايتان : أحداهما : يقبل وهي الرواية المشهورة . والثانية : لا يقبل رجوعه ، وإنما صار الجمهور إلى تأثير الرجوع في الاقرار لما ثبت من تقريره ( ص ) ماعزا وغيره مرة بعد مرة لعله يرجع . ولذلك لا يجب على من أوجب سقوط الحد بالرجوع أن يكون التمادي على الاقرار شرطا من شروط الحد . وقد روي من طريق أن ماعزا لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه ، فقال لهم : ردوني إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقتلوه رجما وذكروا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فقال : هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه ومن هنا تعلق الشافعي بأن التوبة تسقط الحدود ، والجمهور على خلافه ، وعلى هذا يكون عدم التوبة شرطا ثالثا في وجوب الحد . وأما ثبوت الزنا بالشهود فإن العلماء اتفقوا على أنه يثبت الزنا بالشهود وأن العدد المشترط في الشهود أربعة بخلاف سائر الحقوق لقوله تعالى : * ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * وأن من صفتهم أن يكونوا عدولا ، وأن من شرط هذه الشهادة أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها ، وأنها تكون بالتصريح لا بالكناية ، وجمهورهم على أن من شرط هذه الشهادة أن لا تختلف لا في زمان ولا في مكان ، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من مسألة الزوايا المشهورة ، وهو أن يشهد كل واحد من الأربعة أنه رآها في ركن من البيت يطؤها غير الركن الذي رآه فيه الآخر . وسبب الخلاف : هل تلفق الشهادة المخالفة بالمكان أم لا تلفق كالشهادة المختلفة بالزمان ؟ فإنهم أجمعوا على أنها لا تلفق ، والمكان أشبه بالزمان . والظاهر من الشرع قصده إلى التوثق في ثبوت هذا الحد أكثر منه في سائر الحدود . وأما اختلافهم في إقامة الحدود بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه ، فإن طائفة أوجبت الحد على ما ذكره مالك في الموطأ من حديث عمر ، وبه قال مالك ، إلا أن تكون جاءت بأمارة على استكراهها ، مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي ، أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه ، وكذلك عنده الامر إذا ادعت الزوجية إلا أن تقيم البينة على ذلك ،